داود بن محمد بناكتى ( فخر البناكتى ) ( تعريب : محمد عبد الكريم علي )

269

تاريخ بناكتى ( روضة اولى الالباب في معرفة التواريخ والانساب )

وتجلى الحق تعالى على سليمان ، وقال : اطلب منى ما تريد أمنحك إياه ؟ ، فقال سليمان : لقد أحسنت إلى أبى وأجلستنى على العرش مكانه ، وهؤلاء القوم كثيرون جدا ولا حصر لهم ، وما أريده من الحضرة أن تهبني العقل والعلم ، حتى أذكر عظمتك بذلك الحدث لهؤلاء القوم ، فقال الحق تعالى : طالما أنك لم تلتمس منى المال والعمر والنصر على العدو ، وطلبت العقل والعلم حتى تنشر العدل بذلك بين خلقي ، فقد وهبتك كليهما ، وأضفت لهما المال والمهابة التي لم تكن لأي ملك قبلك ولا بعدك . ولما وجد هذه العناية وهذا التفضل من الحضرة الإلهية ، رجع وتولى حكم بني إسرائيل ، وكان أول حكم حكمه أن امرأتين كانتا مقيمتان في منزل واحد ، واتفق أن حضرتهما الولادة ، فجاء لكل واحدة ولد ، ولم يكن في هذا البيت أحد سواهما ، وفي اليوم الثالث توفى ولد إحداهما ، فأخذت ولدها الميت في الوقت الذي كانت فيه المرأة الأخرى نائمة ، فوضعته بجانبها وأخذت وليدها الحي ، وفي الفجر نظرت المرأة إلى ولدها فوجدته ميتا ، فحزنت حزنا شديدا ، ومن شدة الحزن لم تنظر إلى الوليد ، ثم صار معلوما لها أن هذا الولد ليس ولدها ، ونظرت إلى الولد الآخر فعرفته ، فصاحت ووضعت يدها عليه قائلة : هذا ولدى ! ، فنازعتها المرأة الأخرى فيه قائلة : لا ، إنه ابني ، وتوجهتا إلى سليمان بسبب هذا النزاع لطلب الإنصاف ، وعرضتا قضيتهما أمام الأمراء والوزراء بالحضرة ، فعجزوا جميعا عن الفصل في هذا النزاع ، فقامتا بعرضهما على حضرة سليمان ، فقال : أحضروا سيفا ، وطلب المرأتين مع ولديهما ، وقال : اشطروا الطفل الميت شطرين ، وأعطوا كل امرأة شطرا منه ، وقسموا الطفل الحي كذلك بهذا الشكل . فصرخت إحدى هاتين المرأتين قائلة : لا بحق الله ، لا تقتلوا هذا الطفل الحي ، وأعطوه لها حتى تذهب ، وقالت تلك المرأة التي كانت قد صنعت الحيلة : لا ، يجب أن تشطروا الاثنين إلى نصفين حتى يصلنى ويصلك نصيب من الاثنين كما أمر الملك ، فأمر سليمان أن يعطوا هذا الولد الحي لهذه المرأة التي لا ترضى بقتله ، فهي والدة الطفل الحي ، وأعطوا الطفل الميت لهذه المرأة الأخرى ، فبقى جملة الحاضرين في دهشة وتعجبوا من هذا الحكم ، وأقروا له بالعلم والعدل الملكي .